عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
542
اللباب في علوم الكتاب
فالجواب : أن قوله : « لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ » قضية شرطية والقضية الشرطية لا يلزم ( من ) « 1 » صدقها صدق جزئيها ألا ترى أن قولك : لو كانت الخمسة زوجا لكانت منقسمة بمتساويين قضية صادقة مع أن كل واحد من جزئيها غير صادق . قال تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] ولم يلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وأنهما قد فسدتا « 2 » ، قال المفسرون : هذا خطاب مع الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - والمراد منه غيره ، وقيل : هذا أدب من اللّه لنبيه وتهديد لغيره ، لأن اللّه تعالى - عز وجل - عصمه من الشرك « 3 » ، وقوله : « وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ » قال ابن الخطيب : كما أن طاعات الأنبياء والرسل أفضل من طاعات غيرهم فكذلك القبائح التي تصدر عنهم فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله تعالى : إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ [ الإسراء : 75 ] فكان المعنى أن الشرك الحاصل منه بتقدير حصوله منه يكون تأثيره في غضب اللّه تعالى أقوى وأعظم « 4 » . قوله : « بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ » الجلالة منصوبة ب « اعبد » . وتقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة « 5 » ، وجعله الزمخشري جواب شرط مقدر أي إن كنت « 6 » عاقلا فاعبد اللّه ، فحذف الشرط ، وجعل تقديم المفعول عوضا منه « 7 » ، وردّ أبو حيان عليه بأنه يجوز أن يجيء « زيدا فعمرا اضرب » ، فلو كان التقديم عوضا لجمع بين العوض والمعوّض « 8 » عنه . وقرأ عيسى بل اللّه - رفعا - على الابتداء ، والعائد محذوف أي فاعبده « 9 » . فصل [ في معنى قوله : « قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ » ] لما قال اللّه تعالى : « قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ » يفيد أنهم أمروه بعبادة غير اللّه فقال اللّه تعالى له لا تعبد إلا اللّه ، فإن قوله ( بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ ) يفيد الحصر « وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ » لإنعامه عليك بالهداية . قوله تعالى : [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 67 إلى 75 ] وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 67 ) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ ( 68 ) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 69 ) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ ( 70 ) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 71 ) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 72 ) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ ( 73 ) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 74 ) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 75 )
--> ( 1 ) سقط من ب . ( 2 ) وانظر : الرازي 27 / 13 . ( 3 ) قاله البغوي في تفسيره معالم التنزيل 6 / 83 . ( 4 ) وانظر : الرازي المرجع السابق . ( 5 ) عند قوله : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ من الآية 40 منها . ( 6 ) في الكشاف كذا وفي النسختين عاملا . ( 7 ) الكشاف 3 / 407 و 408 . ( 8 ) البحر 7 / 439 . ( 9 ) من القراءة الشاذة ذكرها ابن خالويه في مختصره 131 . والسمين في الدر 4 / 663 .